فصل: ذكر قصة ثمود

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ذكر قصة عجيبة للقمان بن عاد

أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت‏:‏ أخبرنا أبو محمد بن السراج أخبرنا القاضي أبوعبد اللّه بن محمد بن سلامة القضاعي أخبرنا أبومسلم الكاتب أخبرنا ابن دريد حدثنا العكلي عن ابن أبي خالد عن الهيثم عن مجاهد عن الشعبي قال‏:‏ كان لقمان بن عاد عاديًا الذي عمّر عمر سبعة أنسر مبتلى بالنساء فكان يتزوج المرأة فتخونه حتى تزوج جارية صغيرة لم تعرف الرجال ثم نقر لها بيتًا في صفح جبل وجعل له درجه بسلاسل ينزل بها ويصعد فإذا خرج رفعت السلاسل حتى عرض لها فتى من العماليق فوقعت في نفسه فأتى بني أبيه فقال‏:‏ واللهّ لأجتنين عليكم حربًا لا تقومون بها قالوا‏:‏ وما ذاك قال‏:‏ امرأة لقمان بن عاد هي أحب الناس إلي‏.‏

قالوا‏:‏ فكيف نحتال لها قال‏:‏ اجمعوا سيوفكم ثم اجعلوني فيها وشدوها حزمة عظيمه ثم ائتوا لقمان فقولوا‏:‏ إنا أردنا أن نسافر ونحن نستودع سيوفنا حتى نرجع وسمّوا له يومًا ففعلوا وأقبلوا بالسيوف فدفعوها إلى لقمان فوضعها في بيته وخرج لقمان وتحرك الرجل فحلت الجارية عنه وكان يأتيها فإذا أحست بلقمان جعلته بين السيوف وحتى انقضت الأيام ثم جاءوا إلى لقمان فاسترجعوا سيوفهم فرفع لقمان رأسه بعد ذلك فإذا بنخامة يبوس في سقف البيت فقال لامرأته‏:‏ من نخم هذه‏.‏

قالت‏:‏ أنا قال‏:‏ فتنخمي ففعلت فلم تصنع شيئًا فقال‏:‏ يا ويلتاه السيرف دهتني ثم رمى بها من ذروة الجبل فتقطعت قطعًا وانحدر مغضبًا فإذا ابنة له يقال لها صحر فقالت له‏:‏ يا أبتاه ما شأنك قال‏:‏ فأنت أيضًا من النساء فضرب رأسها بصخرة فقتلها فقالت العرب‏:‏ ما أذنبت إلا ذنب صحر‏.‏

فصار مثلًا‏.‏

قال العلماء بالسير‏:‏ كان عمر هود مائة وخمسين سنة‏.‏

وقد ذكرنا قصة عاد في تفسير القران

 ذكر قصة ثمود

وكانوا قد عتوا وكفروا بالله وأفسدوا في الأرض وكانوا قد مدت أعمارهم وكانوا يسكنون الحجر إلى وادي القرى من الحجاز والشام فكان أحدهم يبني المساكن من المدر فتنهدم والرجل منهم حيً فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتًا فنحتوها وجابوها وجوفوها‏.‏

فبعث اللّه تعالى إليهم بعد هلاك قوم عاد صالح بن عبيد بن جاذربن جابربن ثمود ويقال‏:‏ ابن جاثر بالثاء فدعاهم إلى التوحيد فلم يزدهم دعاؤه إلا طغيانًا فقالوا‏:‏ ائتنا بآية فقال اخرجوا إلى هضبة من الأرض فخرجوا فإذ هي تمخض تمخّض الحامل ثم انفرجت فخرجت من وسطها ناقة فقال‏:‏ ‏{‏هذه ناقة الله فذروها تأكل في أرض الله‏}‏‏.‏

وكانت تشرب ماء يومًا ويشربون يومًا ويحتلبونها في يوم شربها عوض ما شربت‏.‏

وكان صالح لا يبيت عندهم بل في مسجد له فهموا بقتله فكمنوا له تحت صخرة يرصدونه فرضختهم الصخرة فأصبح الناس يقولون قتلهم صالح فاجتمعوا على عقر الناقة فذهبوا إليها وهي على حوضها قائمة فضرب أحدهم واسمه قدار بن سالم عرقوبها فوقعت تركض فجاء الخبر إلى صالح فأقبل فأخذوا يعتذرون إليه ويقولون‏:‏ إنما عقرها فلان‏.‏

فقال‏:‏ انظروا هل تدركون فصيلها فإن أدركتموه فعسى يرفع عنكم العذاب فخرجوا وقد صعد إلى رأس الجبل فلم يقدروا عليه فرغا ثلاثًا فقال صالح‏:‏ لكل رغوة أجل يوم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام‏.‏

ألا إن آية العذاب أن اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة أواليوم الثاني محمرة واليوم الثالث مسودة فأصبحوا كأنما طليت وجوههم بالخَلوق صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم‏.‏

فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم‏:‏ ألا قد مضى يوم من الأجل وحضركم العذاب‏.‏

فلما أصبحوا إذا وجوههم محمرة كأنما خضبت بالدماء فضجوا وبكوا وعرفوا آية العذاب فلما أمسوا صاحوا‏:‏ ألا قد مضى يومان فلما أصبحوا اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار فتحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع ثم ألقوا نفوسهم بالأرض لا يدرون من أين يأتيهم العذاب فلما أصبحوا في اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة فتقطعت قلوبهم في صدورهم وهلكوا‏.‏

وكان منهم رجل بالحرم يقال له أبو رغال منعه الحرم من العذاب‏.‏

وذكر أن صالحًا أقام في قومه عشرين سنة وتوفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة‏.‏

وقيل‏:‏ بل عاثس مائتي سنة وسبعين ثم بعث الله تعالى بعده إبراهيم الخليل‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري أخبرنا المبارك بن عبد الجبار أخبرنا محمد بن علي بن الفتح أخبرنا علي بن الحسين بن سكينة حدثنا محمد بن أبي القاسم بن مهدي حدثنا علي بن أحمد بن أبي قيس حدثنا عبد الله بن محمد القرشي حدثنا علي بن الجعد حدثنا معاوية عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال‏:‏ كان رجل في قوم صالح قد أذاهم فقالوا‏:‏ يا بني الله ادع الله عليه فقال‏:‏ اذهبوا فقد كفيتموه‏.‏

وكان يخرج كل يوم فيحتطب فخرج يومئذٍ ومعه رغيفان فأكل أحدهما وتصدق بالآخرة فاحتطب ثم جاء بحطبه سالمًا فجاؤا إلى صالح فقالوا‏:‏ لقد جاء بحطبة سالمًا لم يصبه شيء فدعاه صالح فقال‏:‏ أي شيء صنعت اليوم قال‏:‏ خرجت ومعي قرصتان فتصدفَ بإحديهما وأكلت الأخرى فقال له صالح‏:‏ حل حطبك فحله فإذا فيه أسود مثل الجذع عاض على جزل من الحطب فقال له صالح‏:‏ فهذا دفع عنك‏.‏

يعني بصدقتك عن الرغيف‏.‏

وكان بين نوح وإبراهيم دانيال الأكبر فأما دانيال الأصغر فكان في زمان بخت نصر‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا علي بن عبد الله المعدل أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق حدثنا محمد بن أحمد ابن البراء قال‏:‏ أخبرنا الفضل بن غانم قال‏:‏ حدثنا الهيثم بن عمي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال‏:‏ أوحى الله عز وجل إلى دانيال الأكبرأن يجري لعبادي نهرين واجعل مفيضهما البحر فقد أمرت الأرض أن تعطيك قال‏:‏ فأخذ قناة أو قصبة فجعل يخد في الأرض ويتبعه الماء وإذا مر بأرض شيخ كبيرأو يتيم ناشده الله فيحيد عن أرضه فعواقيل دجلة والفرات من ذلك‏.‏

وقد ذكرنا مثل هذا الحديث في أول الكتاب‏.‏

أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ قال‏:‏ أنبأنا جعفر بن أحمد السراج قال‏:‏ أخبرنا عبد للة بن عمر بن شاهين قال‏:‏ حدثنا أبي قال‏:‏ حدثنا محمد بن زكريا قال‏:‏ حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن زيد قال‏:‏ حدثنا زيد بن الحباب قال‏:‏ حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عمران الحوفي قال‏:‏ كان أنف دانيال ذراعًا‏.‏

 باب ذكر إبراهيم الخليل عليه السلام

هو‏:‏ إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح‏.‏

قال الزبير بن بكار‏:‏ ويقولون إبراهيم بن آزر بن الناحور بن الشارغ بن القاسم الذي قسم الأرض بين أهلها ابن يعبر بن السالح بن سنحاريب‏.‏

واسم أمه نونا بنت كرنبا بن كوثا من بني أرفخشد بن سام‏.‏

وكرنبا هو الذي كرى نهر كوثا‏.‏

وكان بين الطوفان وإبراهيم ألف سنة وتسع وتسعون سنة‏.‏

وقيل‏:‏ ألف ومائتا سنة وثلاث وستون وذلك بعد خلق آدم بثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة وثلاثين سنة‏.‏

وقد روى أبو أمامة أن رجلًا سأل رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ كم بين نوح وإبراهيم فقال‏:‏ عشرة قرون‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي أخبرنا الجوهري أخبرنا ابن حيوية أخبرنا أحمد بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا محمد بن سعد حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي حدثنا سفيان بن سعد عن أبيه عن عكرمة قال‏:‏ كان إبراهيم الخليل يكنى أبا الأضياف‏.‏

واختلفوا في المكان الذي ولد فيه فقال بعضهم‏:‏ ولد في بابل من أرض السواد وقال بعضهم‏:‏ بالسواد بناحية كوثى وقال بعضهم‏:‏ ولد بالسوس من أرض الأهواز‏.‏

وقيل‏:‏ كان بناحية كسكر ثم نقله أبوه إلى ناحية كوثى وهي المكان الذي كان به نمرود‏.‏

وقيل‏:‏ كان مولده بحران ولكن أباه نقله إلى أرض بابل‏.‏

وعامة العلماء على أن الخليل ولد في عهد نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن نمرود بن كوش بن حام‏.‏

وكان نمرود هذا قد ملك الشرق والغرب‏.‏

وبعض المؤرخين يقول‏:‏ نمرود هذا هو الضحاك قال السدي عن أشياخه‏:‏ أول ملك ملك الأرض شرقها وغربها نمرود بن كنعان‏.‏

وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أ أربعة‏:‏ نمرود وسليمان بن داود وذو القرنين وبخت نصر‏.‏

قال العلماء بالسير‏:‏ لم يكن بين نوح وإبراهيم نبيّ إلا هود وصالح فلما أراد الله تعالى إظهار إبراهيم قال المنجمون لنمرود‏:‏ إنا نجد في علمنا أن غلاما يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم يفارق دينكم ويكسرأوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا فلما دخلت السنة المذكورة بعث نمرود إلى كل امرأة حاملة بقريته فحبسها عنده ولم يعلم بحمل أم إبراهيم فجعل لا يولد غلام في ذلك الشهر إلا ذبحه‏.‏

فلما وجدت أم إبراهيم الطَّلْق خرجت ليلًا إلى مغارة ثم ولدت إبراهيم فيها وأصلحت من شأنه ثم سدت عليه المغارة ثم رجعت إلى بيتها وكانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل فتجده يمص إبهامه قد جعل الله رزقه في ذلك وكان آزر قد سألها عن حملها فقالتَ‏:‏ ولدت غلامًا فمات فسكت عنها‏.‏

فكان إبراهيم يشب في شهر شباب سنة‏.‏

فلما تكلم قال لأمه‏:‏ أخرجيني أنظر فنظر وقال‏:‏ إن الذي رزقني وأطعمني ما لي رب غيره ثم رأى كوكبًا ثم رأى الشمس فقال ما قصه الله تعالى علينا‏.‏

ثم ذهبت به أمه إلى أبيه فأخبرته ما صنعت به فسر بسلامته‏.‏

وكان آرز يصنع الأصنام ويقول لإبراهيم‏:‏ بعها فيقول ابراهيم‏:‏ من يشتري ما يضره ولا ينفعه‏.‏

فشاع بين الناس استهزاؤه بالأصنام ثم أراد أن يباديَ إبراهيم قومه بالمخالفة فخرجوا إلى عيد لهم فقال‏:‏ ‏"‏ إنِّي سَقِيمٌ ‏"‏ فلما ذهبوا قال‏:‏ ‏{‏لأكيدَنَّ أصْنَامُكُمْ‏}‏‏.‏

فسمعها بعضهم ثم دخل إبراهيتم إلى بيت الالهة وقد جعلوا بين يديها طعامًا فقال‏:‏ ألا تأكلون‏.‏

فلما لم يجبه أحد قال‏:‏ ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربًا باليمين ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبرثمٍ خرج‏.‏

فلما رجع القوم قالوا‏:‏ ‏{‏مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا‏}‏ ثم ذكروا فقالوا‏:‏ ‏{‏سَمِعْنَا فَتى يَذْكُرُهُم‏}‏ أي‏:‏ يسبهم فجاءوا به إلى ملكهم نمرود فقال‏:‏ ‏{‏أأنتَ فَعَلْتَ هَذَا يَا إبْرَاهِيمُ‏}‏‏.‏

{‏قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا‏}‏ غضب أن تعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهن فقالوا‏:‏ ما نراه الا كما قال فقال له نمرود‏:‏ فما إلهك الذي تعبد قال‏:‏ ربي الذي يحيي ويميت قال نمرود‏:‏ أنا أحيي وأميت آخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفوعن الآخر فأكون قد أحييته فقال له إبراهيم‏:‏ ‏{‏فَإن الله يأتي بِالشمْس مِنَ المَشْرِقِ فَأتِ بِهَا مِنَ المغْرِبِ فبهت‏}‏ عند ذلك نمرود وحبسه سبع سنين‏.‏

أخبرناَ محمد بن أبي القاسم أخبرنا أحمد بن أحمد أخبرنا أبو نعيم الأصبهاني حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد حدثنا عبد الله بن سيبويه حدثنا إسحاق بن راهويه حدثنا بهز حدثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال‏:‏ جُوًع لإبراهيم عليه السلام أسدان ثم أرسلا عليه فجعلا يلحسانه ويسجدان له‏.‏

قال علمأء السير‏:‏ ثم أجمع نمرود وقومه على تحريقه فقالوا‏:‏ أحرقوه‏.‏

ذكر قصة إلقائه في النار قال شعيب بن الجبائي‏:‏ ان الذي قال حَرِّقُوهُ خسف به الأرض فهويتجلجل فيها إلى يوم القيامة‏.‏

وألقي إبراهيم في الناروهو ابن ست عشرة سنة‏.‏

قال علماء السير‏:‏ أمر نمرود بجمع الحطب فجمعوا حتى ان كانت المرأة لتنذر في بعض ما تطلب مما تحب إن قالت كذا لتحتطبن على نار إبراهيم احتسابًا في دينها فلما أوقدوا النار أجمعوا على قذفه فيها قالت الخلائق‏:‏ أي ربنا‏!‏ إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره يحرق بالنار فيك‏!‏ فَاذَنْ لنا في نصرته‏.‏

قال‏:‏ فإن استغاث بشيء منكمِ فأغيثوه وإن لم يدع غيري فأنا وليه فلما ألقي قي النار قال‏:‏ ‏{‏يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وسلاماَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ‏}‏‏.‏

وجاء جَبْرئيل وابراهيم موثق قال‏:‏ ألك حاجة‏.‏

قال‏:‏ أمَّا إليك فلا‏.‏

قال كعب‏:‏ ما أحرقت النار إلا وثاقه‏.‏

قال عبد اللّه بن عمرو‏:‏ أول كلمة قالها إبراهيم حين قال السدي عن أشياخه‏:‏ رفع إبراهيم رأسه إلى السماء وقال‏:‏ اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض أحدأ يعبدك غيري حسبي اللّه ونعم الوكيل فقذفوه في النار فقال‏:‏ ‏{‏يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وسَلاَمًا عَلَى إِبرَاهيم‏}‏‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ لو لم يتبع بردها سلامًا لمات ابراهيم من بردها ولم تبق نار يومئذ في الأرض إلا طَفِئَتْ ظنت أنها هي التي تُعنى‏.‏

فلما طفئت النار نظروا إلى ابراهيم فإذا هو ورجل آخر معه فإذا رأس ابراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق وذكروا أن ذلك الرجل هو ملك الظل فأخرجوا إبراهيم وأدخلوه على الملك‏.‏

وقال ابن إسحاق‏:‏ بعث الله ملك الظل فقعد مع إبراهيم يؤنسه فمكث نمرود أيامًا لا يشك أن النار قد أكلت ابراهيم ثم ركب فنظر فإذا إبراهيم وإلى جنبه رجل جالس فناداه نمرود‏:‏ يا إبراهيم كبير إلهك الذي بلغتَ قدرته أن حال بين ما أرى وبينك هل تستطيع أن تخرج منها فقام إبراهيم يمشي حتى خرج فقال له‏:‏ يا إبراهيم من الرجل الذي رأيت معك‏.‏

قال‏:‏ ملك الظل أرسله ربي ليؤنسني‏.‏

فقال‏:‏ إني مقرب إلى إلهك قربانًا لما رأيت من قدرته فقال‏:‏ إنه لا يقبل منك ما كنت على دينك فقال‏:‏ لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبحها له فذبح أربعة آلاف بقرة وكفً عن ابراهيم‏.‏

واستجاب لإبراهيم رجال من قومه لما رأوا من تلك الآية على خوف من نمرود فأمن له لوط وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران بن تارخ وهاران أخو ابراهيم وهو الذي بنى مدينة حرّان وإليه تنسب‏.‏

وآمنت به سارة وهي ابنة عمه فتزوجها‏.‏

قال السدي عن أشياخه‏:‏ لما انطلق إبراهيم ولوط إلى الشام لقي إبراهيم سارة وهي بنت ملك حَران وقد طعنت على قومها في دينهم فتزوجها على أن لا يغيرها‏.‏

ومن الأحداث في زمن الخليل عليه السلام أنه دعا أباه آزر إلى الإيمان فقال‏:‏ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا فأبى أبوه أن يطيعه فأعرض عنه إبزاهيم وقد كان ابراهيم يجاهده‏.‏

وقال أبو الحسن بن البراء‏:‏ كان لإبراهيم ثلاثمائة يقاتلون بالعصي‏.‏

ولم يحارب من الأنبياء إلا هو وموسى وداود ومحمد عليهم السلام‏.‏

ومن الأحداث هجرة الخليل عليه السلام وذلك أن إبراهيم ومن معه من أصحابه المؤمنين أجمعوا على فراق قومهم فخرج إبراهيم مهاجرًا إلى ربه عز وجل وخرج معه لوط مهاجرًا وسارة زوجته‏.‏

وقد ذكرنا أنه تزوجها في طريق هجرته بحران وخرج بها من حَران حتى قدم مصر وبها فرعون من الفراعنة الأول‏.‏

وكانت سارة أحسن الناس فلما وصف لفرعون حسنها بعث يطلبها‏.‏

أخبرنا هبة اللّه بن الحصين أخبرنا الحسن بن علي التميمي أخبرنا أحمد بن جعفر حدثنا عبد اللّه بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي حدثنا علي بن حفص عن ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فقيل‏:‏ دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس‏.‏

قال‏:‏ فأرسل إليه‏:‏ من هذه معك قال‏:‏ أختي قال‏:‏ أرسل بها قال‏:‏ فأرسل بها إليه وقال‏:‏ لا تكذبي قولي فإني قد أخبرت أنك أختي أن ليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك قال‏:‏ فلما دخلت إليه قام إليها‏.‏

قال‏:‏ فأقبلت تصلي وتقول‏:‏ اللهم إن كنت تعلم أني آمنتَ بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلَطْ عليَ الكافر‏.‏

قال‏:‏ فَغُطَّ حتى ركض برجله‏.‏

قال أبو الزناد‏:‏ قال أبو سلمة عن أبي هريرة‏:‏ أنها قالت‏:‏ اللهم إن يمت قيل هي قتلته‏.‏

قال‏.‏

فأرسل ثم قام إليها فقامت تصلي وتقول‏:‏ الهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي هذا الكافر‏.‏

قال‏:‏ فَغُط حتى ركض برجله‏.‏

قال أبو الزناد‏:‏ قال أبو سلمة عن أبي هريرة‏:‏ قالت‏:‏ اللهم إن يمت قيل هي قتلته فأرسل‏.‏

قال‏:‏ فقال في الثالثة أو الرابعة‏:‏ ما أرسلتم إلا شيطانًا أرجعوها إلى ابراهيم وأعطوها هاجر‏.‏

قال‏:‏ فرجعت إلى إبرإهيم فقالت لإبراهيم‏:‏ أشعرت ان اللّه عز وجل رد كيد الكافر وأحذم وليدةً‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وكانت هاجر جارية ذات هيئة فوهبتها سارة لإبراهيم وقالت‏:‏ إني أراها امرأة وضيئة فخذها لعل اللّه يرزقك منها ولدًا وكانت سارة قد منعت الولد فوقع عليها فولدت له إسماعيل‏.‏

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها فإن لهم ذمة ورحمًا‏"‏‏.‏

قال الزهري‏.‏

الرحم أن أم إسماعيل كانت منهم‏.‏

ثم ان إبراهيم خرج من مصر إلى الشام فنزل السبْع من أرض فلسطين ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة أوأقرب‏.‏

فبعثه الله نبيًا‏.‏

وأقام إبراهيم بذلك المقام فاحتفر به بئراَ فكانت غنمه تردها واتخذ به مسجدًا ثم ان أهلها آذوه فخرج حتى نزل بناحية فلسطين فنضب ماء تلك البئر التي احتفرها فندم أهل ذلك المكان على ما صنعوا وقالوا‏:‏ أخرجنا من بين أظهرنا رجلًا صالحًا ولحقوه فسألوه أن يرجع قال‏:‏ ما أنا براجع إلى بلد أخرجت منه قالوا‏:‏ فإن الماء الذي كنت تشرب منه ونحن معك قد نضب فأعطاهم سبع أعنز من غنمه وقال‏:‏ أوردوها الماء تظهر ولا تغرفن منها حائض‏.‏

فخرجوا بالأعنز فلما وقفت على البئر ظهر إليها الماء‏.‏

وكان اللّه تعالى قد أوسع على ابراهيم وبسط له في الرزق والخدم وكان يضيف كل من نزل به وهو أول من أضاف الضيف وأول من ثرد الثريد وأول من رأى الشيب‏.‏

وروى عيسى بن يونس عن سعد بن ابراهيم عن أبيه قال‏:‏ أول من خطب على المنابر إبراهيم عليه السلام‏.‏

هاجر ولدت إسماعيل ومن الحوادث أن سارة لما وهبت هاجر لإبراهيم ليتسرى بها ولدت إسماعيل وهو أكبر ولد ابراهيم فغارت سارة فأخرجتها وحلفت لتقطعن منها بضعة فخفضتها ثم قالت‏:‏ لا تساكنيني في بلد‏.‏

فأوحى اللهّ تعالى إلى إبراهيم أن يأتي مكة فذهب بها وبابنها إلى مكة‏.‏

وزعم السدي عن أشياخه‏:‏ أن سارة حملت بعد هاجر وأنهما ولدتا وكبر الولدان فاقتتلا‏.‏

وليس هذا بصحيح لأن إسماعيل إنما خرج وهو مرضع‏.‏

ومن الحوادث وروى ابن إسحاق عن أشياخه‏:‏ أن إبراهيم خرج ومعه جبرئيل فكان لا يمر بقرية إلا قال‏:‏ بهذه أمرت يا جبرئيل فيقول جبرئيل‏:‏ امضه حتى قدم به مكة وهي ذات عِضاء وسلَمَ وسَمُرة وبها أناس مايقال لهم العماليق خارج مكة وحولها والبيت يومئذ ربوة حمراء فقال لجبرئيل‏:‏ أها هنا أمرت أن أضعهما قال‏:‏ نعم فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشًا ثم انصرف إلى الشام فتركهما ‏"‏‏.‏

أخبرنا عبد الأول أخبرنا ابن طلحة الداروردي أخبرنا ابن أعين السرخسي حدثنا أبو عبد اللهّ الفربري حدثنا البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب‏.‏

ابن أبي وداعة يزيد أحدهما على الآخر عن سعيد بن جبير قال‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ أول ما اتخذ النساء المِنْطَقَ من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقًا لتعفي أثرها على سارة ثم جاء بها ابراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقًا فتبعته أم إسماعيل فقالت‏:‏ يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا ثم رجعت فانطلق ابراهيم حتى إذا كان عند الثنية حتى لا يروه استقبل بوجهه البيت دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال‏:‏ ‏{‏ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ‏"‏ حتى بلغ ‏"‏ يشكرون‏}‏‏.‏

وجعلت أم إسماعيل ترضع ابنها وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في ماء السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال‏:‏ يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف دِرْعِها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة وقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا ففعلت ذلك سبع مرات‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ فلذلك سعى الناس بينهما ‏"‏‏.‏

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًَا فقالت‏:‏ صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضًا فقالت‏:‏ قد أسمعت إن كان عندك غِواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال‏:‏ بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تُحَوضُهُ وتقوك بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائهما وهو يفور بعدما تغرف‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يرحم الله أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ فشربت وأرضعت ولدها فقّال لها الملك‏:‏ لا تخافوا الضيعة فإن ها هنا بيتًا للّه يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن اللهّ لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية وتأتيه السيول فيأخذ عن يمينه وعن شماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرًا عائفًا فقالوا ان هذا الطائر ليدورعلى ماء لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء‏.‏

فأرسلوا جَريًا أو جريين فإذا هم بالماء فقال‏:‏ أتأذنين لنا أن ننزل عندك‏.‏

فقالت‏:‏ نعم ولكن لاحق لكم في الماء‏.‏

قالوا‏:‏ نعم‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحبُ الإنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهاليهم فجاءوا فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهلُ أبيات منهم وشب الغلام وتعلَم العربية منهم وأنسهم وأعجبهم حين شبّ فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم‏.‏

وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت‏:‏ خرج يبتغي لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت‏:‏ نحن بشر نحن في ضيق وشدة فشكت إليه‏.‏

فقال‏:‏ إذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيرعتبة بابه‏.‏

فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا فقال‏:‏ هل جاءكم من أحد قالت‏:‏ نعم جاءنا شيخ من صفته كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال‏:‏ فهل أوصاك بشيء‏.‏

قالت‏:‏ نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك‏:‏ غيِّر عتبة بابك‏.‏

قال‏:‏ ذلك أبي وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى‏.‏

فلبث عنه إبراهيم ما شاء اللهّ ثم أتاهم فلم يجلى فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت خرج يبتغي لنا قال‏:‏ كيف أنتم‏.‏

وسألها عن عيشهم وهيئتهم‏.‏

فقالت‏:‏ نحن بخير وسعة وأثنت على اللهّ فقال‏:‏ ما طعامكم قالت‏:‏ اللحم قال‏:‏ فما شرابكم قالت‏:‏ الماء قال‏:‏ اللهم بارك لهم في اللحم والماء‏.‏

قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لاولم يكن لهم يومئذ الحَبُ ولوكان لدعا لهم فيه بالبركة ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ فهما لا يخلوا عليهما أحد بغير ملة إلا يوافقاه‏.‏

قال‏:‏ فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه أن يثبت عتبة بابه‏.‏

فلما جاء إسماعيل قال‏:‏ هل أتاكم من أحد قالت‏:‏ نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا يخير قال‏:‏ أفأوصاك بشيء قالت‏:‏ نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك فقال‏:‏ ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلًا تحت دوحة قريبًا من زمزم فلما رآه قام إليه وصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال‏:‏ يا إسماعيل إن الله قد أمرني بأمر قال‏:‏ فاصنع ما أمرك ربك قال‏:‏ أوتعينني قال‏:‏ وأعينك قال‏:‏ فإن اللهّ أمرني أن أبني ها هنا بيتًا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها‏.‏

قال‏:‏ فعند ذلك رفعا القواعد من البيتَ فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه وقام عليه يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان‏:‏ ‏"‏ ربنا تقبل منا أنت السميع العليم ‏"‏‏.‏

انفرد بإخراجه البخاري‏.‏

وقد روى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذا الحديث‏:‏ أن زوجة إسماعيل الثانية قالت لإبراهيم لما قدم‏:‏ انزل رحمك الله حتى أغسل رأسك فقد شعث فلم ينزل به فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر فغسلت شقه الأيسر‏.‏

فقال لها‏:‏ إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولي له‏:‏ قد استقامت عتبة بابك‏.‏

ومن الحوادث قد ذكرنا أن ابراهيم عليه السلام قدم مكة بهاجر وإسماعيل فوضعهما هنالك ثم قدم لزيارة ابنه ثلاث مرات فلقيه في الثالثة وقال له‏:‏ إن اللّه قد أمرني أن أبني بيتًا ها هنا‏.‏

وقد روى خالد بن عرعرة عن علي عليه السلام قال‏:‏ أوحى اللّه تعالى إلى ابراهيم أن ابن لي بيتًا في الأرض فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا فأرسل عز وجل السكينة وهي ريح خَجُوج ولها رأسان فانتهت به إلى مكة فتطوَّقت على موضع البيت كتطوّي الجحفة وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فبنى إبراهيم وبقى حجر فانطلق الغلام يلتمس له حجرًا فأتاه فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه فقال‏:‏ يا أبت من أتاك بهذا الحجر قال‏:‏ أتاني به من لم يتكل على بنائك جاء به جبرئيل من السماء‏.‏

وروى حارثة بن مضرّب عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ لما قدم إبراهيم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس فكلًمه فقال‏:‏ يا إبراهيم ابن على ظلّي ولاتزد ولاتنقص‏.‏

حدثنا محمد بن عبد الباقي أخبرنا الجوهري أخبرنا ابن حيويه أخبرنا أحمد بن معروف حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا محمد بن سعد أخبرنا محمد بن عمر حدثنا موسى بن محمد بن ابراهيم عن أبي بكر بن أبي الجهم عن أبي بكر سليمان بن أبي خيثمة عن أبي جهم بن حذيفة بن غانم قال‏:‏ أوحى الله إلى إبراهيم أن يبني البيت وهو يومئذ ابن مائة سنة وإسماعيل يومئذ ابن ثلاثين سنة فبناه معه‏.‏

فإن قيل‏:‏ هل بني البيت قبل إبراهيم قلنا‏:‏ ذكرنا في قصة آدم أن الله عز وجل أنزل ياقوتة فجعلها مكان البيت وأمرآدم بالطواف حولها‏.‏

وفي رواية‏:‏ أن آدم بناه ثم بناه بعده بنوه إلأ أن الغرق عفى أثره وبقي مكانه أكمة إلى أن بناه الخليل‏.‏

فأما حدود الحرم‏:‏ فأول من وضعها الخليل عليه السلام وكان جبرئيل يأمر به ثم لم يتحرك حتى كان قصيّ بن كلاب فجددها فقلعتها قريش في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه جبريل فقال‏:‏ إنهم سيعيدونها فرأى رجال منهم في المنام قائلًا يقول‏:‏ حرم أعزكم الله به نزعتم أنصابه الآن يتخطفكم العرب فأعادوها فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا محمد أعادوها فقال‏:‏ فأصابوا‏.‏

قال‏:‏ ما وضعوا منها نصبًا إلا بيد الملك‏.‏

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام الفتح تميم بن راشد فجددها ثم جددها عمر بن الخطاب ثم جددها معاوية ثم عبد الملك بن مروان‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ ما السبب في بعد بعض الحدود وقرب بعضها ففيه ثلاثة أجوبة‏:‏ أحدها‏:‏ انه لما أهبط الله عز وجل على آدم بيتًا من ياقوت أضاء ما بين المشرق والمغرب ففرت الجن والشيطان وأقبلوا ينظرون فجاءت ملائكة تردهم فوقفوا مكان حدود الحرم‏.‏

رواه سعيد بن جبيرعن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ انه كان في ذلك البيت قناديل فيها نور فانتهى ضوء ذلك النور إلى مواضع الحرم‏.‏

قاله وهب بن منبه‏.‏

والثالث‏:‏ انه لما وضع الخليل الركن أضاء فالحرم إلى موضع انتهاء نوره‏.‏

ومن الأحداث‏:‏ أنه لما فرغ إبراهيم من بناء البيت أمره اللّه عز وجل أن يؤذن في الناس بالحج قال ابن عباس‏:‏ لما بني البيت أوحى الله تعالى إليه‏:‏ أن ‏"‏ أذن فِي الناس بالحج ‏"‏‏.‏

فقال‏:‏ يا رب وما يبلغ صوتي قال‏:‏ أذِّن وعلّي البلاع‏.‏

فقام على الحجر فنادى‏:‏ أيها الناس إنّ ربكم قد اتخذ بيتًا وأمركم أن تحجوه فسمعه من بين السماء والأرض وأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فأجابه من سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة‏:‏ لبيك اللهم لبيك فاستجاب له ما سمعه من حجرأو شجرأوأكمة أوتراب أو شيء‏:‏ لبيك اللهم لبيك‏.‏

لبيك لبيك ثم إلى الشام فأجيب لبيك لبيك‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي أخبرنا الجوهري أخبرنا ابن حيويه أخبرنا محمد بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا محمد بن سعد أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال‏:‏ خرج إبراهيم إلى مكة ثلاث مرات دعا الناس إلى الحج في آخرهن فأجابه كل شيء سمعه فأول من أجابه جرهم قبل العماليق ثم أسلموا ورجع إبراهيم إلى بلد الشام فمات به وهو ابن مائتي سنة‏.‏

ومن الحوادث أنه ابتدأ بفعل الحج بعد فراغه من البيت فروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ أتى جبرئيل إبراهيم يوم التروية فراح به إلى منى فصلى به الظهر والعصر والمغرت والعشاء الآخرة والفجر بمنى ثم غدى به إلى عرفات فأنزله حيث ينزل الناس فصلى به الصلاتين جميعًا‏:‏ الظهر والعصر ثم وقف به حتى إذا كان كأعجل ما يصلّي أحدٌ من الناس المغرب أفاض حتى أتى جمعًا فصلى به الصلاتين جميعًا‏:‏ المغرب والعشاء ثم أفاض حتى إذا كان كأبطأ مأ يصلي أحد من المسلمين الفجر أفاض به من منى فرمى الجمرة ثم ذبح وحلق ثم أفاض إلى البيت ثم أوحى إلى محمد‏:‏ ‏{‏أنِ اتَّبعْ ملَةَ إِبْرَاهِيم‏}‏‏.‏

ومن الحوادث أن اللّه عز وجل أنزل على الخليل عشر صحائف أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي أخبرنا أبو الحسن محمد بن علي بن المهتدي أخبرنا الحسن بن أحمد بن علي الغساني حدثنا أبي عن جدي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله كم كتاب أنزله الله‏.‏

قال‏:‏ مائة كتاب وأربعة كتب أنزل على آدم عشر صحائف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى خنوخ ثلاثين صحيفة وأنزل على إبراهيم عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول اللّه فما كان في صحف إبراهيم قال‏:‏ كانت أمثالًا كلها‏:‏ أيها الملك المسلّط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلومِ فإني لا أردُّها وإن كانت من كافر‏.‏

وكان فيها أمثال‏:‏ وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباَ على عقله أن يكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساع يفكِّر فيها في صنع الله وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدم وأخر وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال في المطعم والمشرب‏.‏

وعلى العاقل أن لا يكون طاغيًا إلا في ثلاث‏:‏ تزوّدٌ لمعاد ومرمّة لمعاش ولذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكوت بصيرًا بزمانه مقبلًا على شأنه حافظًا للسانه‏.‏

ومن حسب كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه وسلام على من أكرم الضيف ومن أهانه فهو في الدرك الأسفل من النار‏.‏

قال أبوذر‏:‏ فلهذا كان إبراهيم لا يأكل إلا مع الضيف‏.‏

من الحوادث اتخاذ اللّه عز وجل إبراهيم خليلًا اختلف العلماء في سبب ذلك على ثلاثة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ لإطعامه الطعام فكان لا يأكل إلا مع ضيف لسعة كرمه‏.‏

وفي حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلًا قال‏:‏ لإطعامه الطعام يا محمد ‏"‏‏.‏

والثاني‏:‏ أن الناس أصابتهم سنة فأقبلوا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام وكانت له ميرة من صديق له بمصرمن كل سنة فبعث غلمانه بالإبل إلى صديقه فلم يعطهم شيئًا فقالوا‏:‏ لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بشيء فملأوا الغرائر رملًا ثم أتوا إبراهيم فأعلموه فاغتم إبراهيم لأجل الخلق فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان ففتحت الغرائر فإذا دقيق حواري فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس فاستيقظ إبراهيم فقال‏:‏ من أين هذا الطعام فقالت‏:‏ من عند خليلك المصري قال‏:‏ بل من عند خليلي الله‏.‏

فيومئذ اتخذه الله خليلًا‏.‏

رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنه اتخذه خليلًا لكسره الأصنام وجداله قومه‏.‏

قاله مقاتل‏.‏

أخبرنا محمد بن أبي طاهر البزاز أخبرنا محمد الجوهري أخبرنا أبو عمر بن حيوية أخبرنا أحمد بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا محمد بن سعد أخبرنا هشام بن محمد عن ابيه عن ابن عباس قال‏:‏ لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا ونبيًا كان له يومئذ ثلاثمائة عبد أعتقهم وأسلموا وكانوا يقاتلون معه بالعصي‏.‏

أخبرنا أبو منصور بن خيرون عن أبي محمد الجوهري عن الدارقطني حدثنا عمربن الحسن بن علي حدثنا عبد اللهّ بن محمد بن عبد قال‏:‏ حدثني محمد بن يحيى حدثنا يمان بن سعيد حدثنا خالد بن يزيد المقري حدثنا أبو روق عن الضحاك بين مزاحم عن ابن عباس قال‏:‏ أول من عمل القسي العربية ابراهيم عليه السلام عمل لإسماعيل قوسًا ولإسحاق قوسًا وكانوا يرمون بها وعلمهما الرمي‏.‏

وأول من اتخذ القسيّ الفارسية نمرود‏.‏

سؤاله ربه عز وجل أن يريه كيف يحيي الموتى واختلف العلماء في سؤاله ذلك على أربعة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ أنه رأى ميتة تمزقها الهوام والسباع فسأل ذلك‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ مر إبراهيم برجل ميت على ساحل البحر فرأى دواب البحر وسباع الأرض تأكل منه وقال قتادة‏:‏ مر على دابة ميتة‏.‏

وقال ابن جريج‏:‏ مر على جيفة حمار‏.‏

وقال ابن يزيد‏:‏ مر على حوت ميتة‏.‏

والثانى‏:‏ انه لما بشر بأن اللّه تعالى قد اتخذه خليلًا سأل ذلك ليعلم بإجابته صحة البشارة‏.‏

رواه السدي عن أشياخه‏.‏

والثالث‏:‏ أنَّه أحبَّ أن يزيل عوارض الوساوس‏.‏

وهو مذهب عطا بن أبي رباح‏.‏

والرابع‏:‏ أنه لما قال‏:‏ ربي الذي يحيي ويميت أحب أن يرى ما أخبر به عن ربه‏.‏

ذكره ابن إسحاق‏.‏

وزعم مقاتل بن سليمان أن هذه القصة جرت لإبراهيم بالشام قبل أن يكون له ولد وقيل نزول الصحف عليه وهو ابن خمس وسبعين سنة‏.‏

ومن الحوادث أن اللّه تعالى أمر بكلمات فأتمهن أحدها‏:‏ أنه ابتلاه بالإسلام فأتمه‏.‏

رواه عكرمة عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ ابتلاه بالطهارة خمس في الرأَس وخمس في الجسد في الرأس‏:‏ قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس‏.‏

وفي الجسد‏:‏ تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء‏.‏

رواه طاووس عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنها ست في الإنسان‏:‏ حلق العانة والختان ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب والغسل يوم الجمعة‏.‏

وأربع في المشاعر‏:‏ الطواف والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والإفاضة‏.‏

رواه حَنَش عن ابن عباس‏.‏

والرابع‏:‏ أنها مناسك الحج خاصة‏.‏

رواه قتادة عن ابن عباس‏.‏

والخامس‏:‏ أنها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنِّي جَاعِلُكَ لِلناس إِمَامًا‏}‏ وآيات النسك‏.‏

قاله أبو صالح‏.‏

والسادس‏:‏ انه ابتلاه بالكواكب والقمر وبالشمس وبالنار وبالهجرة وبالختان‏.‏

أخبرنا أبو الحصين أخبرنا ابن المذهب أخبرنا أحمد بن جعفر حدثنا عبد اللهّ بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي حدثنا علىِ بن حفص أخبرنا ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اختتن إبراهيم خليل الرحمن عز وجل بعدما أتت له ثمانون سنة واختتن بالقدوم ‏"‏‏.‏

أخرجاه في الصحيحين وليس في حديثهما ذكر سنه يومئذ‏.‏

والقدوم‏:‏ موضع‏.‏

وقد أخبرنا عليّ بن عبد الواحد الدينوري أخبرنا علي بن عمر القزويني أخبرنا علي بن عمربن سهل الجريري حدثنا أحمد بن عمير بن حوصا حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم أخبرنا الأوزاعي عن يحيى بن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اختتن ابراهيم وهو ابن عشرين ومائة سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة ‏"‏‏.‏

وروى الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ إبراهيم أول من أضاف الضيف وأول من ثرد الثريد أول من لبس النعلين وأول من قاتل بالسيف والسن وأول من قسم الفيء وأول من اختتن في موضع يقال له القدوم وهوختن نفسه‏.‏

وروى أبو الحسين بن المنادي من حديث ابن عباس أنه قال‏:‏ كان إبراهيم بزازًا يبيع الثياب فدعا ربه أن يستره إذا قام يصلي فأهبط اللّه إليه جبريل فقطع له السراويل وخاطته سارة فهوأول سراويل لبس في الأرض‏.‏

اللّه عز وجل ابتلى الخليل بذبح ولده بعد فراغه من الحج وقد اختلف العلماء في الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق‏.‏

فروى علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وفديناه بذبح عظيم‏}‏‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏ إسحاق ‏"‏‏.‏

وقد رواه مبارك عن الحسن فوقفه على العباس وهوأصح وكذلك روى عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ الذبيح إسحاق‏.‏

وبه قال ابن مسعود وكعب وعبد بن عمير ومسروق وأبوميسرة في خلق كثير‏.‏

وقد روى معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن رجلًا جاءه فقال‏:‏ يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

يشيرإلى إسماعيل وعبد اللّه والد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن عبد المطلب نذر أن يذبحه وهذا الحديث لا يثبت ثم أن رسول الله لم يقر به وجائز أن يكون العم أبًا كما قال عز وجل‏:‏ ‏"‏ نعبد إلهك وإله آبائك وإسماعيل وإسحاق ‏"‏‏.‏

فأدخل إسماعيل في الآباء وهوعم يعقوب‏.‏

وقد روى الشعبي وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء بن أبي رباح ويوسف بن مهران عن ابن عباس أنه إسماعيل‏.‏

وبه قال الشعبي وقال‏:‏ رأيت قرني الكبش في الكعبة‏.‏

وإليه يذهب الحسن ومجاهد والقرظي واحتج بأن الله تعالى لما فرغ من قصة الذبيح قال‏:‏ ‏{‏َبَشَرْنَاهُ بإِسْحَاقَ‏}‏‏.‏

والقول الأول أصح فإن الخليل لما هاجر عن قومه قال‏:‏ ‏{‏هَبْ لِي مِنَ الصَالِحِينَ فَبَشَرْنَاهُ بِغلامٍ حَلِيمٍ‏}‏‏.‏

والبشارة كانت لسارة فَلًمّا بَلَغَ مَعَهُ السًعْيَ أي كبر وبلغ أنه سعى مع ابنه‏.‏

فأما إسماعيل فقد ذكرنا أنه أسكنه مكة ولم يره حتى تزوج امرأتين‏.‏

والاحتجاج بقرني الكبش ليس بشيء لأنه من الجائز أن يكونا حملا من الشام واحتجاج المحتج بقوله‏:‏ ‏{‏وَبَشَرْنَاهُ‏}‏ يدل على أنه إسحاق لأن الواو لا تقتضي الترتيب‏.‏

الإشارة إلى قصة الذبح سبب أمر اللّه خليله بذبح ولده‏:‏ ما روى السدي عن أشياخه أن جبريل لما بشر سارة بإسحاق قالت‏:‏ وما آية ذلك فأخذ عودا يابسًا في يده فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر فقال ابراهيم‏:‏ هو لله إذًا ذبيح فلما كبر إسحاق أتى ابراهيم في النوم فقيل له‏:‏ أوف بنذرك الذي نذرت فقال لإسحاق‏:‏ انطلق نقرب قربانًا إلى الله فأخذ سكينًا وحبلًا ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال قال له الغلام‏:‏ يا أبتاه أين قربانك قال‏:‏ يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فقال إسحاق‏:‏ اشدد رباطي حتى لا اضطرب واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي فتراه سارة فتحزن وأسرع مَرّ السكين على حلقي ليكون أهون للموت عليّ وإذا أتيت سارة فاقرأ عليها السلام‏.‏

فأقبل عليه إبراهيم يقبله وقد ربطه وهويبكي وإسحاق يبكي ثم إنه جرّ السكين على حلقه فلم يُحِك السكين فأضجعه على جبينه فنودي‏:‏ يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا‏.‏

فإذا بكبش فأخذه وخلى عن ابنه وأكب على ابنه يقبله ويقول‏:‏ اليوم يا بني وُهِبْتَ لي‏.‏

فرجع إلى سارة فأخبرها الخبر فجزعت سارة وقالت‏:‏ يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني‏.‏

قال شعيب الجبائي‏:‏ لما علمت بذلك ماتت يوم التالث‏.‏

وروى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم‏:‏ إن إبراهيم لما خرج بابنه ليذبحه اعترضه إبليس فقال‏:‏ أين تريد أيها الشيخ فقال‏:‏ أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه فقال‏:‏ واللّه إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك‏.‏

فعرفه إبراهيم فقال‏:‏ إليك عني عدو اللهّ فواللهّ لأمضين لأمر ربي فيه فلما يئس عدو الله إبليس من إبراهيم اعترض الولد فقال‏:‏ يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك‏.‏

قال‏:‏ يحتطب لأهلنا من هذا الشعب قال‏:‏ واللّه ما يريد إلا أن يذبحك قال‏:‏ لم قال‏:‏ زعم أن ربه أمره بذلك قال‏:‏ فليفعل ما أمره ربه فسمعًا وطاعة فلما امتنع منه الغلام ذهب إلى أمه فقال‏:‏ هل تدرين أين ذهب ابراهيم بابنه فقالت‏:‏ ذهب به يحتطبان من هذا الشعب قال‏:‏ ما ذهب به إلا ليذبحه قالت‏:‏ هو أرحم به وأشد حبًا من ذلك قال‏:‏ إنه يزعم أن اللهّ يأمره بذلك قالت‏:‏ فإن كان ربه أمره بذلك فتسليمًا لأمر اللهّ‏.‏

فرجع عدو الله لم يصب من آل إبراهيم شيئًا مما أراد‏.‏

فقال‏:‏ يا أبت إذا أردت ذبحي فاشدد رباطي فإن الموت شديد واشحذ شفرتك حتى تُجهز عليّ فتريحني‏.‏

فإذا أنت أضجعتني فعلى وجهي فإني أخشى إن نظرت في وجهي أن تدركك رقة تحولُ بينك وبين أمر اللهّ فيَّ وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فإنه عسى أن يكون أسلَى لها عنَي‏.‏

فقال له إبراهيم‏:‏ نعم العون أنت يا بني على أمر اللهّ‏.‏

فربطه كما أمره ثم شحذ شفرته ثم تله للجبين واتق النظر في وجهه ثم أدخل الشفرة فقبلها اللهّ تعالى ونودي‏:‏ قد صدقت الرؤيا‏.‏